صديق الحسيني القنوجي البخاري

452

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومعنى أكرمن أي فضلني بما أعطاني من المال وأسبغه عليّ من النعم لمزيد استحقاقي لذلك وكوني موضعا له ، ودخلت الفاء فيه لتضمن « أما » معنى الشرط أي فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن وقت ابتلائه بالإنعام ، قال الكلبي الإنسان هنا هو الكافر ، أبيّ بن خلف ، وقال مقاتل نزلت في أمية بن خلف وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة وأبي حذيفة بن المغيرة . وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ أي اختبره وعامله معاملة من يختبره فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أي ضيقه ولم يوسعه له ولا بسط له فيه فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ أي أولاني هوانا ، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها ، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها ، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه اللّه بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة . ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير وما أصيب به من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والامتحان ، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء . قرىء بإثبات الياء في أكرمن وأهانن وصلا ، وحذفها وقفا ، وقرىء بإثباتها فيهما ، وقرىء بحذفها في الوصل والوقف اتباعا لرسم المصحف وموافقة لرؤوس الآي ، والأصل إثباتها لأنها اسم ، وقرأ الجمهور فَقَدَرَ بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان ، وقرىء ربي بفتح الياء في الموضعين وبسكونها فيهما . وقوله : كَلَّا ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر له ، فإن اللّه سبحانه قد يوسع الرزق ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته ، ويضيقه عليه لا لإهانته بلا للاختبار والامتحان كما تقدم ونحوه قوله تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] قال الفراء « كلا » في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا ولكن يحمد اللّه على الغنى والفقر . ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال : بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية ، وقرىء بالتحتية على الخبر ، وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال ، فقرأ الجمهور تحضون وتأكلون وتحبون بالفوقية على الخطاب فيها ، وقرىء بالتحتية فيها والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان لأن المراد به الجنس أي بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر ، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم فتأكلون ماله وتمنعونه من فضل أموالكم ، قال مقاتل نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيما في حجر أميّة بن خلف . وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ قرأ الجمهور تحضون من حضه على كذا